تجربة من ذهب .. في الإعلام لا نحرق كل "الحطب" .. بقلم: فتيحة زماموش


يقول جلال الدين الرومي : "عندما تتخطى مرحلة صعبة من حياتك أكمل الحياة كناجٍ وليس كضحية " ، هذا هو حال الكثيرين ممن اشتغلوا في ميدان الإعلام ، فهل نتعلم من تجربتهم ؟ فالتجارب لمن لا يعتبر غالية الثمن ولا تقدم على طبق من ذهب، فهل سنين العمر وزنها ذهب ؟ .

بحماسة وحب للمهنة ، رموا جهدهم للمحرقة، عدد معتبر من الإعلاميين الجزائريين قدموا جهدهم بالكامل، ولم يتذكروا ولو مرة واحدة أن الجسد والرأس يخزنان التعب والإرهاق ليأتي اليوم الذي يمتلئ فيه الخزان ويفيض ، وتتفجر تلك التراكمات في شكل أمراض ، وهو ما جعل كبريات المؤسسات الإعلامية اليوم تضع قسما خاصا يقوم ب " تسيير وإدارة الكادر البشري الإعلامي " يعنى بالجانب الاجتماعي للمهنيين ، بغية الحفاظ على الإنسان وتستمر المؤسسة .

تجربته ، ملهمة جدا ، يقول :" كل يوم أسمع ، ضجيجا وأحيانا ضحكات وهمسات وأصوات منبعثة هنا وهناك وحتى بالنسبة لنزيل السرير الذي يقتسم معي الغرفة في المستشفى ، الكثيرون يحضون بزيارة الأهل والأصدقاء والزملاء ، البعض يعتقد أنني لا أهل لي ولا أصدقاء ولا زملاء سابقين في المهنة ، لكني حافظت على ابتسامتي المعهودة ، قليل من الزائرين يقتسمون معي أطراف الحديث ، لكني غالبا أركن للصمت والسكوت ، وأن " ألعبها نائم " حتى لا يقلقوني بالسؤال : أنت من أين ؟ وكيف تشعر الآن ؟ 

صوت طفل صغير توجه نحوي ليسلم علي معتقدا أنني قريبه ، دغدغ مشاعري وأرجعني إلى الأمر الواقع ، لتمر السنوات بين عيني ، عندما كنت بكامل قواي أصعد وأنزل سلالم المؤسسة الإعلامية التي اشتغلت فيه لسنوات ، أرجعني إلى زمن دار الصحافة التي كانت تعج بالصحفيين والعمال ولقاءاتنا مع بعض في مقهى الدار ، "ساندويتشات الفريت أوملات "، أرجعني إلى زمن كنت فيه المحبب لدى الكثيرين ، فلم يكن يرد أحد ، حتى بكلمة طيبة ، صوت الممرضة يكسر حاجز الذكرى الذي انغمس فيه ليعود إلى واقعه الجديد :" غرفة في مستشفى وصحته بدأت تتحسن شيئا فشيئا ، وصار يمكنه أن ينزل من سريره دون مساعدة أحد وبدأ الأكسيجين يتوزع في مسارات متفرقة في الدماغ :" مرحلة صعبة نجا منها بأعجوبة " .. توجه بعينيه نحو الطفل الصغير، ابتسم في وجهه ثم شكره لقد أعطاه " صفعة قوية " وأيقظه من سباته بعد الانسحاب الاضطراري من الحياة اليومية.

هذا الصحفي اسمه من ذهب، لكنه للأسف " استفاق لوضعه بعد أن وصل إلى حافة الموت " ، السبب يقول: 
أنا مثل الذي يريد أن يوقد نارا بالحطب ، إن وضعت كل الحطب مرة واحدة اشتعل بقوة ثم سيمر الوقت وتنطفئ ، أنا لم أفقه أحد قوانين وقواعد أو فنون العمل الصحفي إلا بعد أن خرجت منه :" رأيت الصورة بوضوح ". لقد فعلت مثل الشخص دائم العطاء ، لكن يأتي اليوم الذي يحتاج فيه للغير ولو لابتسامة ، لسؤال أليس " مول التاج ويحتاج ؟  " المهنة تحتاجك يوميا متقدا ومشتعلا ، إنها " تأكل الحطب وتحرق " بنزين " المخ والجسد". 

لقد علمته الوعكة الصحية التي أصابته ما يلي :"  كان لزاما علي أن لا أضع جميع الحطب مرة واحدة ، لا أحرق جهدي مرة واحدة ، أن أشتغل وأتعلم ، لأوقد حماسي كل يوم وشغفي بحب المهنة ، لأنها مهنة قلق يومي وضغوطات لاتنتهي ، نحن ننتهي وهي لا تنتهي ".

فتيحة زماموش.

التعليقات

الاسم

أبوجرة سلطاني,1,أحمد أويحي,2,أحمد قايد صالح,1,إشكالية التغيير,1,اضطهاد,1,إقتصاد,15,أقلام,134,الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين,1,الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء,4,الأحداث المغاربية,23,الأفلان,2,الإمارات العربية المتحدة,1,الأمن الوطني,2,الانتخابات التشريعية 2017,2,الانتخابات المحلية 23 نوفمبر 2017,3,الإنسان,1,الجلفة,2,الجيش الوطني الشعبي,2,الحضارة,1,الحملة الانتخابية,1,الدولية,1,الروهينغيا,1,الصالون الدولي للكتاب,1,الضحية,1,العرب والعالم,62,العربي التبسي,1,العربية,1,العروبة,1,العلم,1,العمل,1,المجتمع,8,الوزير الأول,1,الوسيط,2,الوسيط المغاربي,2,الوطن,189,اليوم الوطني للصحافة,1,أنور بن الطيب,6,إيران,1,أيوب يلوز,2,باتنة,4,بسكرة,1,بشرية,1,بن باديس,1,بناء الانسان,6,بودكاست آرابيا,1,تاج,1,تجمع أمل الجزائر,1,تحقيق,1,تنمية,1,تنمية بشرية,1,تهاني,1,تيزي وزو,1,ثقافة,25,ثقافة وفنون,32,جامعة مولود معمري,1,جبهة التحرير,1,جبهة العدالة والتنمية,4,جمال سلطاني,8,جمعية العلماء,1,جنازة,1,حاسي بحبح,1,حبيب حين اللولب,1,حسن عريبي,1,حوارات خاصة,9,خليل غوناني,1,رأي,5,رحمة ربيعي,6,رشد نكاز,1,رمزي بوبشيش,4,رمضان بوشارب,7,رياضة,53,زبيبة,1,سكيكدة,1,سهيل مناصر,3,سياسة,5,سيدي بلعباس,1,شخصيات,8,شهادة التعليم الابتدائي,1,صالحي,1,صحة,12,ظافر عبد الرحمان راجحي,1,عاجل,1,عبد الحميد بن باديس,1,عبد العزيز بوتفليقة,2,عبد الله جاب الله,2,عبد المجيد تبون,6,عبير,1,علوم وتكنولوجييا,7,عمر ملياني,1,عين الدفلى,1,غرداية,3,فاتح مسرحي,1,فتيحة زماموش,17,في الواجهة,40,قراءات في الصحف,8,كريم خليدة,1,ليبيا,1,ليليا إحدان,1,مالك بن نبي,1,مجتمع,88,مجلس وزراء الداخلية العرب,1,محكمة,1,محمد أركون,1,محمد الأمين محمدي,1,محمد زروقي,1,محمد عيادي,7,مسلمي ميانمار,1,منتدى رؤساء المؤسسات,1,مواضيع,2,موسوعة الوسيط,12,نادية يخلف,1,نتائج,1,نجيبة جيلالي,1,نسيم ضيافات,1,هواري بن مداح,1,وزارة التربية الوطنية,1,وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، تسجيلات الماستر ، مجتمع ، مشاكل تقنية,1,ولد عباس,1,يناير,1,يوم العلم,1,fln,1,sila,1,
rtl
item
صحيفة الوسيط المغاربي: تجربة من ذهب .. في الإعلام لا نحرق كل "الحطب" .. بقلم: فتيحة زماموش
تجربة من ذهب .. في الإعلام لا نحرق كل "الحطب" .. بقلم: فتيحة زماموش
https://1.bp.blogspot.com/-eIoRBfaJhbw/WabPQceAG1I/AAAAAAAABMM/CO1INZ8-C8YF6wNrOHA7jPoxsGT3e3SlQCPcBGAYYCw/s640/19047444_10211438138142915_436728817_o.png
https://1.bp.blogspot.com/-eIoRBfaJhbw/WabPQceAG1I/AAAAAAAABMM/CO1INZ8-C8YF6wNrOHA7jPoxsGT3e3SlQCPcBGAYYCw/s72-c/19047444_10211438138142915_436728817_o.png
صحيفة الوسيط المغاربي
http://www.wassitmg.com/2017/09/fthzemmche-post13.html
http://www.wassitmg.com/
http://www.wassitmg.com/
http://www.wassitmg.com/2017/09/fthzemmche-post13.html
true
3381751352769127867
UTF-8
تحميل جميع الأخبار لم يتم العثور على أي خبر مشاهدة الكل اقرأ أكثر تعليق إلغاء التعليق حذف بواسطة الرئسية الصفحات الأخبار مشاهدة الكل إقرأ أيضاً قسم أرشيف إبحث جميع الأخبار لم يتم العثور على أي خبر من طلبك الرجوع إلى الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت جانفي فيفري مارس أفريل ماي جوان جويلية أوت سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر جانفي فيفري مارس أفريل ماي جوان جويلية أوت سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر الآن منذ دقيقة منذ $$1$$ دقائق منذ ساعة منذ $$1$$ ساعة أمس منذ $$1$$ أيام منذ $$1$$ أسابيع منذ أكثر من 5 أسابيع المتابعون إتبع هذا المحتوى خاص الرجاء النشر ليظهر لك نسخ الكود تحديد الكود تم نسخ الكود لا يمكن نسخ رموز / النصوص، يرجى الضغط على [CTRL] + [C] (أو CMD + C مع ماك) للنسخ