سلسلة مقالات بناء الإنسان: (04) "الجميع من أجل الفرد والفرد من أجل الجميع"

Image associée

شعار يمثل قوة الاتحاد المطلقة تلك التى لو تكونت بين الدولة وساكنيها لتغيّر الكثير فى المعادلة السكانية الصعبة ، ولتمت الإجابة على السؤال الأهم: هل الأفراد يلتهمون الناتج القومى للدولة؟ أم أنهم سبب للنمو الاقتصادى فيها؟ 

تلقي الدول النامية المسؤولية على عاتق السكان والازدياد المضطرب فى أعدادهم والذى تقف أمامه الدول عاجزة لأنه على حد التعبير يلتهم مواردها ويقضى على مقدراتها، فلو قمنا بإجراء مقارنة بين دولة لديها كمّ هائل من الموارد الطبيعية والثروات و الكثافة السكانية فيها منخفضة ، مقابل دولة ذات كثافة سكانية مرتفعة وأرضها خاوية على عروشها ؟ 

مارأيكم أيها الأصدقاء ، لأى دولة ترجح الكفة ويميل ميزان التقدم؟
اذا كان الجواب متسقاً مع المنطق ومع ماتم حفره فى أذهاننا طويلاً بشأن كون السكان عبئاً على اقتصاد الدولة وأن حظ الدولة الأولى هو الأوفر فى ارتقاء سلم التقدم ، فيؤسفني أن أخبركم بأن الواقع مناف للمنطق بشكل مثير للسخرية ..

وهنا، أقتبس ماقاله الدكتور مصطفى محمود فى كتابه الغد المشرق:
" إن بلداً شاسعاً ، مثل السودان ، يتألف من عدة مديريات . كل مديرية فيها بحجم فرنسا غابات بكر وموارد خرافية وسكان قليلون وكثافة سكانية ضئيلة ، كيف يمكن لهكذا بلد أن يكون فقيراً ؟ بل لماذا يكون فقيراً ؟ ..

فى الواقع يسكن السودان حاليا مايزيد قليلا عن الثلاثين مليون مواطن بواقع كثافة سكانية 16.4 نسمة / كم2 ، ومع ذلك تبلغ نسبة البطالة 15% فى بلد غني عن تعريف موارده الطبيعية .. 
فى الشق الآخر من السؤال ، تبرز اليابان .. وهنا أعود مجدداً للاقتباس من الدكتور مصطفى محمود من نفس الكتاب السابق :
(في اليابان تعداد يتجاوز المائة والعشرين مليوناً في مساحة أصغر من مصر ، ومع ذلك لا مجاعة ولا فقر ، بل فائض يزيد على الفائض الأمريكي في بلاد ليس فيها بترول ولا فحم ولا حتى خام الحديد ) 

حسناً، التعداد السكاني لليابان يزيد عن 127 مليونا ،بواقع كثافة سكانية 337.1 نسمة / كم2 ، ومع ذلك فإن نسبة البطالة تبلغ 4 % فقط ،فيما يقفز مؤشر التنمية الى .901 مقابل .408 للسوادن.. فما هو مصدر الفرق؟ 

أرجع الدكتور مصطفى محمود سبب تأخر البلدان النامية إلى الحكومات وذلك بسبب البيروقراطية التى تعطل كل حركة، أو الفاشيّة التى توظف موارد الدولة لتصب فى جيوب أفراد، فيما أرجع سبب تقدم الدول الأخرى إلى وجود كنز الانسان ذلك الذى لاتوجد سلعة ولاثروة معدنية لديها قدرته على الابتكار والابداع والانتاج فهو بذلك ضمّ الكثافة السكانية الى الموارد الطبيعية بل واعتبرها أهمها ..
كذلك الأمر ، قام غاندى باستغلال الكثافة السكانية الهندية كسلاح ناجع ضد الاحتلال البريطانى مما أدى بالهند الى الاستقلال . 

إذاً الكثافة السكانية لاتلتهم الدخل القومى للدولة بل تعمل على إثرائه ،ولكن ذلك فقط عبر الانسان المنتج .. فما مدى انتاجيتنا؟ 
للأسف فى بلداننا إنتاجيتنا الوحيدة تتمثل فى إنتاج الّنسل، فهل هذا منصف؟ ان كنا ننتج الجنود البشرية دون استغلالها ودون تحميلها مسؤولية الإنتاج والمساهمة فى الدخل الوطنى فبالتأكيد سينتهى بها الأمر لالتهامه ،وهنا عدنا إلى البداية هل الكثافة السكانية نعمة أم نقمة؟ .. 

فى الواقع انها سلاح ذو حدين وقد اخترنا الحد الخاطئ .. ففى بلداننا يكمن الطموح الأعلى للمواطن بالوظيفة الحكومية والتى هى على أهميتها مجرد وظيفة بيروقراطية تعيق استغلال الموارد البشرية وتؤدى الى تدعيم بيروقراطية الدولة التى تعيق النمو والتقدم بدورها وبتزايد أعداد مريديها وكونها الطموح الأعلى لكثير من الشباب تتحول إلى بطالة مقنعة تمتص الدخل القومى دون توفير أى إنتاج يُذكر ، 

كنت قد سمعت من أحد المواطنين العرب والذى مزّقت الحرب بلده مما دفع به للهجرة إلى أوربا أن هذا هو أفضل ما حدث له فى حياته ، وحين استهجنت الأمر أكمل قائلا :
" لقد تغيرت للأفضل ، فى بلادى جلّ ماحلمت به هو وظيفة بعد التخرج وزوجة أقضى معها أيامى، كان هذا هو طموحى الأكبر مع رغبة خجولة فى امكانية فتح محل للأجهزة الكهربائية أمارس فيه عملى بعد الدوام وكنت أعتبر نفسى طموحا ً إلى درجة كبيرة حيث أن أصدقائى كانوا يحلمون بالوظيفة والزواج دون عمل آخر ولكن عندما أتيت الى أوروبا رأيت كيف يفكر الشباب هنا وكيف تقودهم أحلامهم الى العمل فى وظيفتين وثلاث فى وقت واحد وكيف أنّ أيّاً منهم لم يحلم بالوظيفة الحكومية ولم يلق لها بالاً بقدر ما حلم بامتلاك عمله الخاص وابتكار علامته التجارية وبرنامجه الخاص ، إن أحلامهم ترتبط بالانتاج فيما تقتصر احلامنا على الحياة الهادئة وتخلو تماما من الطموح ".. 
لم استطع مجادلته فى هذا ، لأنني أعتقد ان الدولة تصل للتطور حين يكون التطور هاجس وحلم الفرد فيها وهذا لا يتحقق بالوظيفة بقدر ما يتحقق بالسعى وراء الانتاج الابتكار وحده ليس هدفا بل انه مرحلة تقود الى الانتاج بكميات تجارية والتسويق مما يضيف الى الانتاج القومى .. 

وأعتقد أن الصين فد فهمت هذا جيداً حين قامت باستغلال مواردها البشرية عبر دفعها القسرى لميدان القوى العاملة حيث قامت الدولة بفرض ساعتين من العمل الإنتاجى يومياً على طلاب المدارس يقومون فيها بالعمل فى المصانع حسب ما يلائم قدرات كل فئة عمرية مما دفع بمنتجاتها إلى اكتساح العالم . 
إذاً الكثافة السكانية تعتبر أحد عوامل التنمية البشرية حين توفر الشخص الطموح للابتكار والشخص المنتج المتعاون مع الدولة فى رفع قيمة الانتاج القومى وأعود فأشدد على كون الدولة من اجل الفرد والفرد من اجل جميع من فى الدولة دربوا أولادكم على الطموح لأن طموحهم هو الغد المشرق للدولة .

ولابد من العروج إلى حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام:" تكاثروا فإني مفاخر بكم الأمم" ، مع ملاحظة أن المسلمين التزموا بالجزء الأول فقط من الحديث الشريف (تكاثروا) ، معتبرين أنهم يتأسّون بسنّة نبيهم ومعتبرين مجرد التكاثر مدعاة للتفاخر ، غافلين أو متغافلين أن شطري الحديث متكاملين، بمعنى: يجب أن تكون نتيجة التكاثر إنشاء أفراد فاعلين منتجين ليكونوا بناة حضارة ومفخرة للأمة الإسلامية ، وإلا يسقط الشطر الأول حكماً ونصبح غثاء كغثاء السيل لانفع منه ولا رجاء..

اعتادت الشركات الإنتاجية العالمية أن تضع لافتة على باب الشركة مسجّل عليها "هدف الشركة"،  وذلك كي يقرأه العاملون فيها كل يوم ويعملون على تحقيقه ، بل وأكثر من ذلك ، فإن الشركات اليابانية تقوم بلصق هدف كل قسم من أقسامها على جدران ذلك القسم  ، فهناك الهدف الأكبر للشركة ويندرج تحته الأهداف الصغيرة لكل قسم على حدة .
ربما يكون تطبيق هذا الأمر خطوة هامة لتنمية أطفالنا ، أهم ماعلينا القيام به هو تهيئة الطفل لاختيار هدفه في الحياة ، وتشجيعه المستمر والمتواصل كي يسعى لتحقيقه، أيّاً كان ذلك الهدف ، عليه أن يعرف أنه لم يُخلق على هذه الأرض عبثاً ، وأن عليه أن يكون من الفعالين لا من المحسوبين على المجتمع عدداً فقط ..
تكوين شخصية الطفل منذ نعومة أظفاره تقع على عاتق الأبوين ، الشخصية السويّة التي يجب أن يتحلى بها تنتج عن التوافق والتآلف العائلي الذي يتمثل محبة واحتراماً ، حيث أن تعايش الطفل ضمن عائلته بشخصية متكاملة تساعده على التعايش ضمن المجتمع بفاعلية كبيرة ، نكون قد أسّسنا بذلك اللبنة الأولى لنهضة المجتمع .

يقول أحد الأصدقاء:
إن النمو الديموغرافي ليس مشكلة في حد ذاته .. لكنه قد يكون مشكلة وعائقاً في التنمية حين يختل التوازن بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي .. والموازنة بين السودان واليابان تؤكد حقيقة وهي أن المشكلة لا تكمن في كثرة الأفراد أو قلتهم بقدر ما تكمن في نوعية الفرد والكفاءة التي يمتلكها الإنسان ..ويالتنا نفسر حديث المصطفى القائل " تكاثروا " في النوع والمهارة والكفاءة لا في العدد ...يولد الانسان بفم وساعدين للعمل .. لكن عندنا نحن المسلمين في العالم العربي يولد الإنسان بفم شره يلتهم الأخضر واليابس وبساعدين مبتورتين ... وصدق صاحب الرسالة حين يقول : " رحم الله امرىء كف فكيه وفك يديه " ...ولنكن أقل عدد نكن أسعد شعب "

سلسلة مقالات بناء الانسان:
من اعداد مجموعة باحثين بالتعاون مع ليلى حجازي و أيوب مرين
تنسيق ومتابعة: رزان الأسعد

التعليقات

الاسم

أبوجرة سلطاني,1,أحمد أويحي,2,أحمد قايد صالح,1,إشكالية التغيير,1,اضطهاد,1,إقتصاد,15,أقلام,134,الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين,1,الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء,4,الأحداث المغاربية,23,الأفلان,2,الإمارات العربية المتحدة,1,الأمن الوطني,2,الانتخابات التشريعية 2017,2,الانتخابات المحلية 23 نوفمبر 2017,3,الإنسان,1,الجلفة,2,الجيش الوطني الشعبي,2,الحضارة,1,الحملة الانتخابية,1,الدولية,1,الروهينغيا,1,الصالون الدولي للكتاب,1,الضحية,1,العرب والعالم,62,العربي التبسي,1,العربية,1,العروبة,1,العلم,1,العمل,1,المجتمع,8,الوزير الأول,1,الوسيط,2,الوسيط المغاربي,2,الوطن,189,اليوم الوطني للصحافة,1,أنور بن الطيب,6,إيران,1,أيوب يلوز,2,باتنة,4,بسكرة,1,بشرية,1,بن باديس,1,بناء الانسان,6,بودكاست آرابيا,1,تاج,1,تجمع أمل الجزائر,1,تحقيق,1,تنمية,1,تنمية بشرية,1,تهاني,1,تيزي وزو,1,ثقافة,23,ثقافة وفنون,32,جامعة مولود معمري,1,جبهة التحرير,1,جبهة العدالة والتنمية,4,جمال سلطاني,8,جمعية العلماء,1,جنازة,1,حاسي بحبح,1,حبيب حين اللولب,1,حسن عريبي,1,حوارات خاصة,9,خليل غوناني,1,رأي,5,رحمة ربيعي,6,رشد نكاز,1,رمزي بوبشيش,4,رمضان بوشارب,7,رياضة,53,زبيبة,1,سكيكدة,1,سهيل مناصر,3,سياسة,5,سيدي بلعباس,1,شخصيات,8,شهادة التعليم الابتدائي,1,صالحي,1,صحة,12,ظافر عبد الرحمان راجحي,1,عاجل,1,عبد الحميد بن باديس,1,عبد العزيز بوتفليقة,2,عبد الله جاب الله,2,عبد المجيد تبون,6,عبير,1,علوم وتكنولوجييا,7,عمر ملياني,1,عين الدفلى,1,غرداية,3,فاتح مسرحي,1,فتيحة زماموش,17,في الواجهة,38,قراءات في الصحف,8,كريم خليدة,1,ليبيا,1,ليليا إحدان,1,مالك بن نبي,1,مجتمع,88,مجلس وزراء الداخلية العرب,1,محكمة,1,محمد أركون,1,محمد الأمين محمدي,1,محمد زروقي,1,محمد عيادي,7,مسلمي ميانمار,1,منتدى رؤساء المؤسسات,1,مواضيع,2,موسوعة الوسيط,12,نادية يخلف,1,نتائج,1,نجيبة جيلالي,1,نسيم ضيافات,1,هواري بن مداح,1,وزارة التربية الوطنية,1,وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، تسجيلات الماستر ، مجتمع ، مشاكل تقنية,1,ولد عباس,1,يناير,1,يوم العلم,1,fln,1,sila,1,
rtl
item
صحيفة الوسيط المغاربي: سلسلة مقالات بناء الإنسان: (04) "الجميع من أجل الفرد والفرد من أجل الجميع"
سلسلة مقالات بناء الإنسان: (04) "الجميع من أجل الفرد والفرد من أجل الجميع"
http://fc00.deviantart.net/fs22/f/2008/027/9/f/hand_by_hand_by_naderbellal.jpg
صحيفة الوسيط المغاربي
http://www.wassitmg.com/2017/04/04.html
http://www.wassitmg.com/
http://www.wassitmg.com/
http://www.wassitmg.com/2017/04/04.html
true
3381751352769127867
UTF-8
تحميل جميع الأخبار لم يتم العثور على أي خبر مشاهدة الكل اقرأ أكثر تعليق إلغاء التعليق حذف بواسطة الرئسية الصفحات الأخبار مشاهدة الكل إقرأ أيضاً قسم أرشيف إبحث جميع الأخبار لم يتم العثور على أي خبر من طلبك الرجوع إلى الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت جانفي فيفري مارس أفريل ماي جوان جويلية أوت سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر جانفي فيفري مارس أفريل ماي جوان جويلية أوت سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر الآن منذ دقيقة منذ $$1$$ دقائق منذ ساعة منذ $$1$$ ساعة أمس منذ $$1$$ أيام منذ $$1$$ أسابيع منذ أكثر من 5 أسابيع المتابعون إتبع هذا المحتوى خاص الرجاء النشر ليظهر لك نسخ الكود تحديد الكود تم نسخ الكود لا يمكن نسخ رموز / النصوص، يرجى الضغط على [CTRL] + [C] (أو CMD + C مع ماك) للنسخ